عبد الملك الجويني

10

نهاية المطلب في دراية المذهب

الماءُ ، فأدامت على ما يتغير بهذه الجهة اسمَ ما هو مُعدٌّ للغسل ، فالتعليل ببقاء الاسم ، والمظنونُ أن سبَب بقاء الاسم تعذُّرُ التحرّز ، فليفهم الفقيه مراتبَ الكلام . 8 - وأما الماء المتغير بالتراب أوانَ المدّ ( 1 ) ، فقد قيل : إن التراب لا يخالط الماء ، بل يجاورُه باجزائه المنتثرة فيه ، وآيةُ ذلك أن الماء المتغيّر به لو سكن في إناءٍ ، لتميّزت أجزاءُ التراب راسبةً . وإن اعترض متكلفٌ من أهل الكلام ( 2 ) على فصل الفقهاء بين المجاورة والمخالطة ، فزعم أن الزعفران ملاقاته مجاورة أيضاً ؛ فإن تداخل الأجرام محال . قيل له : مدارك الأحكام التكليفية لا تؤخذ من هذا المأخذ ، بل تؤخذ ممّا يتناوله أفهامُ الناس ، لا سيما ما يُبنَى الأمر فيه على معنى اللفظ . ولا شك أن أرباب اللسان لغة وشرعاً قسّموا التغيُّر إلى ما يقع بسبب المجاورة ، وإلى ما يقع بسبب المخالطة ، وإن كان ما يسمى مخالطة في الإطلاق مجاورة في الحقيقة ، فالنظر إلى تصرف اللسان . ومنتهى هذه الطريقة النظر إلى الاسم ، وهذا لا انقسام فيه ، وإنما الانقسام في أسباب بقاء الاسم وزواله ، فهذه هي الطريقة الصحيحة ، ونصُّ الشافعي ( 3 ) في آخر

--> ( 1 ) أي زمان ( المدّ ) المقابل ( للجَزْر ) ، وهما يتعاوران البحار ، كما هو معروف . ( 2 ) نلمح هنا تبّرم إِمام الحرمين بأهل الكلام ، ولكن الذي نؤكده هو : أنه رفض أن تؤخذ الأحكام التكليفية من غير ( ما يتناوله أفهام الناس ) ومن غير ( ما يقصده أرباب اللسان ) . ( 3 ) يشير إِلى نص الشافعي في الأم في آخر حديثه عن المياه ، حيث قال : " وإذا وقع في الماء شيء حلال فغير له ريحاً أو طعماً ، ولم يكن الماء مستهلكاً فيه ، فلا بأس أن يتوضأ به ، وذلك أن يقع فيه البان أو القطران ، فيظهر ريحه أو ما أشبهه . وإِن أُخذ ماء فشيب به لبن أو سويق أو عسل ، فصار الماء مستهلكاً فيه ، لم يتوضأ به ، لأن الماء مستهلك فيه . إنما يقال لهذا : ماءُ سويق ولبن وعسل ، مشوب ، وإِن طرح منه فيه شيء قليل يكون ما طرح فيه من سويق ، ولبن وعسل مستهلكاً فيه ، ويكون الماء الظاهرَ ، ولا طعم لشيء من هذا فيه ، توضأ به ، وهذا ماء بحاله " . ثم ضرب عدة أمثلة أخرى لتغير الماء وعدم تغيره ، ثم ختم كلامه بالجملة التي أشار إِليها إِمام الحرمين ، وذلك إِذ قال : " وهكذا كل ما ألقي فيه من المأكول من سويق أو دقيق ومرق وغيره إِذا ظهر فيه الطعم والريح مما يختلط فيه ، لم يتوضأ به ، لأن الماء حينئذٍ منسوب إلى ما خالطه منها ( الأم : 1 / 6 - دار الشعب - القاهرة ) . =